« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ يوسف السبيتي
بحث الفقه

46/08/05

بسم الله الرحمن الرحيم

 كتاب الشهادات.

الموضوع: كتاب الشهادات.

القول: في صفات الشهود.

تابع"

الرابع: العدالة، وهي الملكة الرادعة عن معصية اللَّه تعالى. فلا تقبل شهادة الفاسق، وهو المرتكب للكبيرة أو المصرّ على الصغيرة، بل المرتكب للصغيرة على الأحوط إن لم يكن الأقوى، فلا تقبل شهادة مرتكب الصغيرة إلّا مع التوبة وظهور العدالة[1] .

القضية الثالثة: منشأ إصطلاح الملكة.

وما يجول في البال، أنه لا أثر للتفريق بين الكبيرة والصغيرة من جهة أن الاتيان بالمحرّم سواءٌ أكان صغيرًا أم كبيرًا من شأنه ان يزيل العدالة، بل يقال بأن كل معصيّة كبيرة، وإنما الاختلاف بينها من جهة الإضافة إلى معصيّة أخرى، فالقتل وشرب الخمر، أعظم من النظرة المحرّمة وأكل لقمة متنجسة مثلًا، أو ربما من جهة كون الإضافة بلحاظ الفاعل، فإن معصيّة العالم أكبر من معصيّة الجاهل ويمكن أن يُوجّه ذلك بأن الحرام له مفهوم واحد وهو مخالفة أوامر الله ونواهيه، مضافا لما ورد في بعض النصوص الدالة على أن كل معصيّة عظيمة:

-(عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في القنوت في الوتر ـ إلى أن قال: ـ واستغفر لذنبك العظيم، ثمّ قال: كلّ ذنب عظيم)[2] .

ومن هنا ذهب مشهور الفقهاء (اعلى الله مقامهم) إلى تعريف العدالة بأنها (ملكة) نفسانية راسخة من شأنها ان تردع عن معصيّة الله بلا فرق بين كونها كبيرة أو صغيرة.

القضية الرابعة: كيف تعرف العدالة خارجا.

ويستفاد ذلك من خلال النصوص الواردة في المقام، ومرتكزات المتشرعة بل العقلاء، وكلمات الفقهاء، فالتعبير بالملكة لعله من أقرب وأوجز العبارات الدالة على العدالة من هذه الجهة فالتعبير بالملكة ينسجم جدا مع التعبير اللغوي والعرفي دلالته على الإستقامة والاستواء الذي يبعث المكلف على الاستمرار في المحافظة على الوظائف الشرعية والاتيان بالواجبات وترك المحرّمات.

ويمكن الإستدلال على إعتبار الملكة عموما من كلام مولانا أبي جعفر (عليه السلام) (موثقة):

-(عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسن بن عليِّ بن فضّال، عن أبيه، عن عليِّ بن عقبة، وذبيان بن حكيم الأودي، عن موسى بن أكيل، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أخيه عبد الكريم بن أبي يعفور، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر والعفاف، مطيعات للأزواج، تاركات للبذاء والتبرّج إلى الرجال في أنديتهم)[3] .

وايضًا ما ورد في قبول شهادة المكاري والجمال والملاح (إذا كانوا صلحاء):

-(محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن موسى، عن أحمد بن الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن عليِّ بن عقبة، عن موسى بن أكيل النميري، عن العلاء بن سيّابة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّ أبا جعفر (عليه السلام) قال: لا تقبل شهادة سابق الحاجّ، لأنه قتل راحلته، وأفنى زاده، وأتعب نفسه، واستخفَّ بصلاته، قلت: فالمكاري والجمّال والملاّح؟ فقال: وما بأس بهم تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء)[4] .

وما ورد في قبول شهادة الضيف (إذا كان عفيفا صائنا):

-(محمّد بن عليِّ بن الحسين بإسناده عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً، قال: ويكره شهادة الأجير لصاحبه، ولا بأس بشهادته لغيره (ولا بأس به له بعد مفارقته)[5] .

وفي صحيحة عبدالله بن يعفور عن مولانا الصادق (عليه السلام):

-(محمّد بن عليِّ بن الحسين بإسناده عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر والعفاف، (وكفِّ البطن) والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر، والزنا، والربا، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وغير ذلك، والدلالة على ذلك كلّه (أن يكون ساتراً) لجميع عيوبه، حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ما وراء ذلك، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ، وحفظ مواقتيهنّ بحضور جماعة من المسلمين، وأن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم إلاّ من علّة، فاذا كان كذلك لازماً لمصلاّه عند حضور الصلوات الخمس، فاذا سئل عنه في قبيله ومحلّته قالوا: ما رأينا منه إلاّ خيراً، مواظباً على الصلوات، متعاهداً لأوقاتها في مصلاّه، فانَّ ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين، وذلك أنَّ الصلاة ستر وكفّارة للذنوب، وليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلاّه ويتعاهد جماعة المسلمين، وإنّما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي، ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيع، ولولا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح، لأنَّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين، فان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) همَّ بأن يحرق قوماً في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، وقد كان فيهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك، وكيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من الله عزَّ وجلَّ ومن رسوله (صلّى الله عليه وآله) فيه الحرق في جوف بيته بالنار، وقد كان يقول: لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين إلاّ من علّة)[6] .

فإن كلام الإمام (عليه السلام) واضح في تحديد معنى العدالة من خلال الصفات والمسلكيات الخارجية التي يأتي بها الانسان، ومن خلال ذلك يمكن معرفة العادل من غيره من الجانب العملي، وفيها إشارة واضحة على أن الصفات المذكورة راسخة في نفسه ويأتي بالمأمور به في الشريعة الغرّاء على نحو الإستمرار والمداومة على الإتيان بالوظائف الشرعية.

وأما القضية الخامسة: (الدليل على عدم قبول شهادة الفاسق).

ومما تقدم يُعرف عدم إعتبار شهادة الفاسق ويدل عليه من الروايات:

-(عن العلاء بن سيّابة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شهادة من يلعب بالحمام؟ قال: لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق)[7] .

-(عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث أنَّ عليّاً (عليه السلام) قال: لا أقبل شهادة الفاسق إلاّ على نفسه)[8] .وغيرهما.

مضافا إلى الإجماع وسيرة المتشرعة.


logo